بالنسبة لمعظم الناس، يعني صيف قطر الاحتماء من أشعة الشمس. أما بالنسبة إلى نيكيتا، فلهذا الفصل قصة مختلفة تمامًا.
قبل أكثر من عقد، وقبل تأسيس «أيولا» في قطر بسنوات، بدأ المؤسس المشارك نيكيتا ماخالين يتساءل عن إحدى أبرز المسلّمات التي تقوم عليها الزراعة العمودية الحديثة. ففي الوقت الذي اعتمد فيه معظم العاملين في هذا المجال على الإضاءة الاصطناعية لزراعة المحاصيل داخل البيئات المغلقة، راوده سؤال بسيط: هل يمكن أن تكون هناك طريقة أكثر بساطة واستدامة؟ وإذا كانت أشعة الشمس متاحة أصلًا، فلماذا نعتمد بهذا الشكل على الكهرباء؟
وبدلًا من التسليم بهذه الأفكار الراسخة، قرر نيكيتا اختبار فكرة مختلفة. ولم يُبنَ النموذج الأولي في مختبر، بل على شرفة شقة، حيث عمل مع والده وعمه مستخدمًا ألواحًا بلاستيكية وسلاسل وبعض المكونات البسيطة. وأثبتت التجربة أن الفكرة قابلة للتطبيق، وهو ما منح العائلة الثقة لبناء أول نظام زراعي واسع النطاق يمتد على مساحة 1,000 متر مربع.
لكن التحدي الأكبر لم يكن بناء النظام، بل إثبات قدرة التكنولوجيا نفسها على النجاح.
ويتذكر نيكيتا قائلًا:
“عندما دعونا خبراء الزراعة والمتخصصين في الجامعات للاطلاع على نظامنا، قالوا إنهم لا يستطيعون تفسير آلية عمله. فقد كانوا يفهمون الأنظمة التقليدية، أما نظامنا فكان مختلفًا تمامًا”.
وفي غياب نموذج جاهز يمكن الاحتذاء به، كان على الفريق أن يرسم طريقه بنفسه. فكل تحسين كان يكشف عن تحدٍ جديد، وكل حل كان يفتح الباب أمام فرصة جديدة لتطوير النظام.
ويضيف: “كان هناك تحدٍ جديد كل يوم. فما إن تنتهي من حل مشكلة، حتى تظهر أمامك أخرى في اليوم التالي”.
كما تطلّب تطوير التكنولوجيا التعامل مع متطلبات تنظيمية لم تكن مصممة أصلًا لنظام مثل نظامهم. لكن تلك السنوات، بالنسبة إلى نيكيتا، لم تكن سنوات إخفاقات، بل سنوات تعلّم متواصل، إذ تحوّل كل عائق إلى خطوة جديدة نحو تطوير الفكرة.
حين أصبحت الحرارة ميزة تنافسية
ومع تطور «أيولا»، تطورت رحلتها أيضًا. فقد انتقلت الشركة من روسيا إلى تركيا، قبل أن تستقر في قطر. وجلبت كل محطة تحديات جديدة، لكنها قرّبت الفريق أكثر من اكتشافٍ لم يكن في الحسبان: البيئة التي كانت تقنيتهم تبحث عنها طوال الوقت.
بالنسبة إلى كثيرين، تمثل حرارة الصيف القاسية في قطر أحد أكبر التحديات التي تواجه الزراعة. أما بالنسبة إلى «أيولا»، فقد أصبحت واحدة من أهم مزاياها التنافسية.

كلما اشتد الحر، زادت سعادتي
وبدلًا من مقاومة المناخ، تعلّمت «أيولا» كيف تعمل معه. ففي الأشهر المعتدلة، تُزرع المحاصيل في ظروف مثالية للنمو. ومع حلول الصيف، تتحول الحرارة نفسها إلى مورد طبيعي لتجفيف المنتجات. فما قد يستغرق أسابيع في أماكن أخرى، يمكن إنجازه في غضون أيام قليلة تحت شمس الصيف في قطر.
ويقول نيكيتا: “إنها أفضل مكان على وجه الأرض، ولهذا نحن هنا”.
وبالنسبة إلى «أيولا»، لا تمثل قطر مجرد مقر لعملياتها اليوم، بل المكان الذي وجدت فيه تقنيتها البيئة التي كانت تبحث عنها طوال تلك السنوات.

عندما تتكيف الزراعة مع الإنسان
في صميم نهج «أيولا» تكمن الأتمتة، لكن ليس للأسباب التي قد يتوقعها كثيرون. فبالنسبة إلى نيكيتا، لم يكن الهدف منها يومًا استبدال الإنسان، بل جعل العمل في الزراعة أكثر سهولة وإتاحة للجميع.
فبدلًا من وحدات الزراعة الثابتة، تتحرك النباتات باستمرار داخل بيئة النمو بفضل نظام «أيولا» المُؤتمت، بما يحقق أقصى استفادة من ضوء الشمس الطبيعي، قبل أن تصل مباشرة إلى العاملين لمراقبتها وحصادها.
ويشرح نيكيتا الفكرة قائلًا:
“بدلًا من أن يذهب العامل إلى المحاصيل، تأتي المحاصيل إليه”.
ومن خلال تقليل الجهد البدني اللازم لمراقبة المحاصيل وحصادها وإدارة الإنتاج، يسهم النظام في رفع الكفاءة، ويفتح في الوقت نفسه المجال أمام كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة لتولي مهام قد تكون شاقة في الظروف التقليدية.
ويضيف:
“يمكننا توفير فرص عمل للأشخاص ذوي الإعاقة أو كبار السن. فهم لا يحتاجون إلى السير في أرجاء الحقل أو الانحناء طوال اليوم، بل يمكنهم البقاء في أماكنهم، فيما تصل المحاصيل إليهم”.
ولا تقتصر هذه الفلسفة على الأتمتة فحسب. فمن خلال تحقيق أقصى استفادة من ضوء الشمس الطبيعي، واستخدام المياه بكفاءة أعلى مقارنة بأساليب الزراعة التقليدية، تسعى «أيولا» إلى تطوير أنظمة زراعية أكثر استدامة، وأكثر قدرة على مواكبة متطلبات عالم يتغير باستمرار.

الرحلة مستمرة
اليوم، تُعد طماطم «أيولا» المجففة تحت أشعة الشمس المنتج الرئيسي للشركة، إذ تُصنع من محاصيل محلية وتُجفف طبيعيًا بالاستفادة من مناخ قطر. لكن بالنسبة إلى نيكيتا، لا يمثل هذا المنتج سوى محطة واحدة في رحلة أطول بكثير.
وبعد أكثر من عقد من البحث، حصلت «أيولا» على براءات اختراع في عدد من الدول، من بينها الولايات المتحدة وسنغافورة وروسيا، فيما تواصل تطوير تقنيتها وابتكار منتجات غذائية مبتكرة.
واليوم، ومع انضمامها إلى برنامج حاضنة الأعمال في الواحة، تبدأ «أيولا» فصلًا جديدًا من مسيرتها. وبالنسبة إلى نيكيتا، يمثل الانضمام إلى الواحة فرصة للتعاون، والتعلم، ومواصلة تطوير التقنية ضمن منظومة الابتكار المتنامية في قطر.
ويقول: “لقد بدأنا للتو، وما زلنا في بداية الطريق”.
وتلخص هذه العبارة رؤيته لريادة الأعمال. فبدلًا من السعي وراء نجاح سريع، يركز نيكيتا على بناء شراكات قوية، وتطوير التقنية، والمضي قدمًا بخطوات ثابتة.
فخر يتجدد كل يوم
وعندما سُئل نيكيتا عن أكثر إنجاز يفخر به، ابتسم بعد لحظة من الصمت.

أشعر بالفخر كل يوم. فكل يوم يحمل شيئًا مميزًا
وبالنسبة إليه، لا يُقاس النجاح بإنجاز واحد، أو إطلاق منتج جديد، أو الوصول إلى محطة بعينها، بل بالقدرة على حل المشكلات الواحدة تلو الأخرى، والتطور يومًا بعد يوم، والتمسك بالصدق والنزاهة طوال الرحلة.
أما نصيحته لرواد الأعمال الطموحين، فلا تقل بساطة.
ويختصرها بقوله:
“لا تكذبوا! فالحقيقة ستنكشف في النهاية، ولذلك يبقى الصدق دائمًا الخيار الأفضل”.
وهي الفلسفة التي شكّلت مسيرة «أيولا» منذ البداية. فما بدأ كتجربة بسيطة على شرفة شقة سكنية، أصبح اليوم شركة تعيد تصور أساليب إنتاج الغذاء في بعضٍ من أكثر البيئات المناخية قسوة في العالم، لتبرهن أن أعظم الفرص قد تولد أحيانًا في الأماكن نفسها التي يرى فيها الآخرون أكبر التحديات.
كما فعلت «أيولا»، تبدأ كل شركة ناشئة بكسر المألوف. استكشف حاضنة الأعمال في الواحة، وانضم إلى مجتمع متنامٍ من رواد الأعمال الذين يبنون ويطورون ويوسّعون مشاريع التكنولوجيا العميقة، انطلاقًا من قطر إلى العالم.
#واحة_قطر_للعلوم_والتكنولوجيا #التكنولوجيا_العميقة #تكنولوجيا_المناخ #التكنولوجيا_الزراعية #الشركات_الناشئة #الاستدامة #قطر