11 أغسطس، 2026

الطاقة التي نهدرها: كيف تُغيّر «Vora» مفهوم التبريد

علي أبو الشيخ
الشريكان المؤسسان لـ«Vora»، أنس رستم ومازن السيد

بالنسبة لمعظم الناس في قطر، أصبح تكييف الهواء جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، فهو يوفر أجواء مريحة في المنازل والمكاتب والمتاجر طوال أشهر الحر الشديد. أما أنس، فيرى في صوت المكيف المألوف شيئًا آخر تمامًا: طاقة تُهدر من دون أن ندركها.

يقول أنس رستم، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«Vora» :”لا تتمحور شركتنا في الحقيقة حول الحل، بل حول المشكلة التي نعمل على حلها.”

بدأ اهتمام أنس بهذه المشكلة عندما كان هو وشريكه المؤسس مازن السيد، الرئيس التنفيذي للتسويق في «Vora»، لا يزالان طالبين في الجامعة يبحثان عن فكرة ذات معنى تستحق العمل عليها. وخلال بحثهما في التحديات من حولهما، استوقفهما رقم لافت. فبحسب أنس، قد يشكّل تكييف الهواء نحو 70% من استهلاك الكهرباء في المباني في قطر، فيما تُهدر كميات كبيرة من الطاقة نتيجة ضعف كفاءة التبريد، والمبالغة فيه، وتشغيله في المساحات الخالية من الأشخاص.

وبالنسبة إلى أنس، كان لهذه المشكلة بُعد شخصي أيضًا. فمنذ طفولته، اعتادت والدته أن تحثّه على عدم هدر المياه، وتنبّهه حتى إلى تفاصيل بسيطة مثل فتح الصنبور أكثر من الحاجة. وترسّخت في ذهنه منذ ذلك الوقت فكرة بسيطة: لا تستهلك أكثر مما تحتاج. وبعد سنوات، عندما بدأ يبحث في استهلاك الطاقة في التبريد، وجد أن هذا الدرس الذي تعلّمه في طفولته يرتبط بتحدٍ أكبر بكثير.

كبرت وأنا أكره الهدر.

ويتذكر قائلًا: “عندما اكتشفت مشكلة الهدر في أنظمة التكييف، شعرت أن الأمور بدأت تترابط في ذهني.”

جعل أنظمة التكييف الحالية أكثر ذكاءً

وتطورت تلك الفكرة مع الوقت لتصبح «Vora»، شركة ناشئة محتضنة في الواحة تجمع بين الأجهزة والبرمجيات، وتطوّر جهازًا مدعومًا بالذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة أنظمة التكييف الحالية بدلًا من استبدالها. ويختصر أنس فكرة «Vora» ببساطة: “جهاز صغير يحسّن كفاءة مكيف الهواء.”

وراء هذا الجهاز الصغير نظامان يعتمدان على الذكاء الاصطناعي. يراقب الأول باستمرار الظروف داخل المكان وخارجه، مثل درجة الحرارة والرطوبة والطقس، إلى جانب تفضيلات المستخدم. ومن خلال هذه البيانات، يحدد إعدادات تبريد أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة دون التأثير على راحة المستخدم. أما الثاني، فيركز على الصيانة التنبؤية من خلال رصد مؤشرات الأعطال المحتملة قبل أن تتفاقم. أما الثاني، فيركز على الصيانة التنبؤية من خلال رصد مؤشرات الأعطال المحتملة قبل أن تتفاقم.

كما تتعلّم التقنية تفضيلات كل مستخدم والدرجة التي يشعر عندها بالراحة. ويوضح أنس: “قد يشعر شخص بالراحة عند 18 درجة مئوية، بينما يجدها آخر شديدة البرودة.” لذلك، بدلًا من تطبيق الإعدادات نفسها على الجميع، تتكيف «Vora» مع عادات كل مستخدم وتفضيلاته.

والأهم أن الجهاز يعمل مع مكيفات الهواء الموجودة بالفعل، فلا حاجة إلى استبدالها. فعند إعداده، يتعرّف الجهاز على إشارات الأشعة تحت الحمراء الصادرة عن جهاز التحكم الخاص بالمكيف، ما يتيح له التواصل معه مباشرة. وبالنسبة إلى أنس، فإن جعل كفاءة استهلاك الطاقة في متناول الجميع يشكّل جزءًا أساسيًا من فكرة «Vora».

جهاز «Vora» المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والمُصمَّم لتحسين كفاءة أنظمة التكييف الحالية
حين تفرض الأجهزة تحدياتها

لم يكن تحويل الفكرة إلى منتج يعمل على أرض الواقع خاليًا من التحديات. فعلى عكس البرمجيات، لا يمكن دائمًا معالجة مشكلات الأجهزة بتحديث سريع. إذ تحتاج المكونات إلى الطلب والشحن والاختبار، وقد يتطلب الأمر أحيانًا إعادة تصميمها بالكامل.

وكان غلاف جهاز «Vora» محور أحد التحديات التي واجهها الفريق مؤخرًا. فبعد تصميم الغلاف وطباعته بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، اكتشف الفريق أنه يحبس الحرارة حول المعالج، ما يؤثر في قراءات المستشعر. ولحل المشكلة، أعاد الفريق تصميم الغلاف لتحسين التهوية وتدفق الهواء، مع عزل المستشعر بصورة أفضل.

يقول أنس: “هناك الكثير من العقبات والقيود، وهذا ما يجعل تطوير الشركات الناشئة التي تعتمد على الأجهزة أكثر صعوبة.”

أما تطوير الذكاء الاصطناعي، فيفرض تحديات من نوع آخر. فكلما جمعت «Vora» مزيدًا من البيانات من الاستخدام الفعلي، تحسّن أداء النظام. ومع كل تجربة جديدة، تتاح للفريق فرصة إضافية لتطوير قدراته في توفير الطاقة والصيانة التنبؤية. ورغم هذه التحديات التقنية، يؤكد أنس أنه لم يشك يومًا بشكل جدي في إمكانية نجاح الفكرة.

ويقول: “سأجعلها تنجح. سواء نجحت الآن أم لا، سأجعلها تنجح.”

جذورها في قطر ورؤيتها للخليج

تأسست «Vora» قبل نحو عام ونصف، ونمت منذ ذلك الحين لتضم فريقًا من خمسة أشخاص بقيادة أنس ومازن، وكلاهما من خلفية تقنية. ولم يكن اختيار قطر لتأسيس الشركة وليد الصدفة.

يقول أنس، الذي نشأ في قطر: “قطر هي بيتي، وأريد أن أرد لها بعضًا مما قدمته لي.”

كما أن المنطقة تواجه التحدي نفسه الذي تسعى «Vora» إلى معالجته. فالتبريد ضرورة في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، ما يجعل كفاءة استهلاك الطاقة أكثر أهمية.

وفي وقت سابق من هذا العام، انضمت «Vora» إلى حاضنة الأعمال في الواحة، بعد أشهر أمضاها أنس سعيًا للانضمام إلى منظومتنا. ومنذ ذلك الحين، يقول أنس إن دعم الواحة اتخذ أشكالًا مختلفة، من توفير مساحة للعمل والاستفادة من المتدربين، إلى تعزيز حضور الشركة وإتاحة فرص لأنس لتقديم «Vora» وحلولها أمام المستثمرين وغيرهم من الجهات المؤثرة.

ويقول: “أنا واثق إلى حد كبير أننا لم نكن لننمو بهذه السرعة لولا دعم الواحة.” وبالنسبة إلى أنس، الذي يرى في تقديم العروض أمام الجمهور إحدى أبرز نقاط قوته، كانت هذه الفرص ذات قيمة خاصة.

فريق «Vora» في الواحة، حيث تنضم الشركة إلى حاضنة الأعمال
طموحات تتجاوز قطر

أنهت «Vora» تطوير أول نموذج أولي قابل للتطبيق (MVP)، وتعمل حاليًا على اختباره في مرحلته التجريبية. أما الخطوة التالية، فتتمثل في دخول السوق ومواصلة تطوير التقنية، وتوسيع نطاق الأجهزة التي يمكنها العمل معها، وصولًا إلى التوسع في دول مجلس التعاون الخليجي وأسواق أخرى حول العالم.

لكن طموح أنس لا يقتصر على بناء شركة ناجحة. فهو يرى في تقنية «Vora» فرصة للحد من استهلاك الكهرباء غير الضروري في مناطق أخرى من العالم، بما فيها الأماكن التي يصعب فيها الحصول على الطاقة أو ترتفع فيها تكلفتها.

أريد أن ننطلق إلى العالم ونخبره بكل فخر أن بدايتنا كانت من قطر.

ابنِ مشروعك أمام الجميع

بالنسبة إلى أنس، لم تكن أهم الدروس التي تعلّمها من ريادة الأعمال مرتبطة بالهندسة وحدها. فبحكم خلفيته التقنية، كان يعتقد في البداية أن بناء منتج مميز كفيل بنجاح الفكرة. لكن تجربته في ريادة الأعمال علّمته أن نجاحها لا يعتمد على التقنية وحدها، بل أيضًا على قدرة المؤسس على شرح فكرته وتقديمها ومشاركتها مع الآخرين.

ومن هنا جاءت نصيحته لمن يؤسسون شركاتهم الناشئة للمرة الأولى: تحدثوا عما تعملون عليه، وشاركوا أفكاركم مع الآخرين، ولا تجعلوا الخوف من تقليدها سببًا في بقائكم بعيدًا عن الأنظار.

ويختصر أنس هذه النصيحة بعبارة أبسط: “ابنِ مشروعك أمام الجميع.”

وتبدو هذه الفلسفة مناسبة تمامًا لشركة بدأت قصتها من ملاحظة مشكلة اعتاد الآخرون تجاهلها. فقد انطلقت «Vora» من الكشف عن هدر غير ملحوظ للطاقة، واليوم يحرص مؤسسوها على مشاركة الحل مع الآخرين أيضًا.

تعملون على تطوير شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا لمعالجة تحدٍ واقعي؟ تعرّفوا إلى حاضنة الأعمال في الواحة، وانضموا إلى منظومة متنامية تدعم الشركات الناشئة في تطوير حلولها واختبارها والتوسع بها، من قطر إلى العالم.

#واحة_قطر_للعلوم_والتكنولوجيا #الشركات_الناشئة #ريادة_الأعمال #تكنولوجيا_المناخ #الاستدامة #الذكاء_الاصطناعي #قطر

نرحب باستفادة وسائل الإعلام من المعلومات الواردة في هذا المقال ومشاركتها، مع الإشارة بوضوح إلى واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا كمصدر، وإرفاق رابط المقال الأصلي على qstp.qa. وللحصول على صور عالية الدقة أو مزيد من المعلومات، يرجى التواصل مع فريق الاتصال في الواحة عبر [email protected].

نبذة عن الكاتب
علي أبو الشيخ كاتب محتوى في واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، وباحث في الإنسانيات الرقمية، يتمتع بخبرة متعددة التخصصات تشمل الاتصال، والبحث، والسرد القصصي، والعمل المجتمعي. يحمل درجة الماجستير في العلوم الإنسانية والمجتمعات الرقمية من جامعة حمد بن خليفة، ويتمتع بخبرة أكاديمية ومهنية ذات طابع دولي. يركّز عمله على الابتكار، والبحث العلمي، والإعلام، والمنظمات غير الحكومية، حيث يطوّر سرديات مؤثرة تعزّز التواصل وتسهم في إحداث أثر ملموس. كما يشارك كمؤلفٍ مساهمٍ في كتبٍ منشورة.
ما رأيكم في هذه القصة؟
شكراً على ملاحظاتك.

"*" تحدد الحقول المطلوبة

شارك هذه القصة
Twitter
Facebook
LinkedIn
WhatsApp
Email
ذات صلة