حين شقّ الأمل طريقه إلى غزة
كل صباح، وأنا في طريقي إلى واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، تعود بي الذاكرة إلى صباح بعيد في غزة، إلى بداية حكاية لم أكن أدرك يومها أنها ستبقى معي كل هذه السنوات. كان ذلك في أكتوبر من عام 2012، حين جلست إلى جوار أمي في بيتنا ننتظر الزيارة التاريخية لصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، إلى قطاع غزة، ليصبح أول زعيم عربي وقائد عالمي يكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع.
كانت ست سنوات قد مضت على بدء الحصار. صارت العزلة واقعًا نعيشه كل يوم، أما أن يزور غزة قائد بهذا المستوى، فكان أمرًا لم نعتده ولم نكد نتخيّله. لكن ذلك الصباح كان مختلفًا. اكتست الشوارع بالأعلام الفلسطينية والقطرية، وارتفعت اللافتات مرحّبة بسموه ومعبّرة عن امتنان الناس له، ولم يكن لأهل غزة يومها حديث سوى زيارته التاريخية. ومن بين كل ما رأيته، بقيت لافتة واحدة عالقة في ذاكرتي حتى اليوم، كُتب عليها: «شكرًا قطر… أوفيتِ بالوعد.»
ولم تكن الزيارة مجرد لفتة رمزية. ففي ذلك اليوم، وضع سموه حجر الأساس لمدينة حمد ومستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، مؤكدًا التزام قطر بإعادة إعمار غزة. ومع السنوات، أصبحت تلك المشاريع جزءًا من تفاصيل حياتنا، تذكّرنا بأن ما خلّفه الدمار يمكن أن تبنيه من جديد أيادٍ امتدت بالخير والعطاء.
وقبل وصول سموه بوقت طويل، جلست أنا وأمي نحتسي الشاي ونترقّب على شاشة الجزيرة بدء البث المباشر للزيارة. أما أخي الأكبر، الذي كان يدرس آنذاك في الجامعة الإسلامية بغزة، فكان بين الحاضرين يستمع إلى خطاب سمو الأمير الوالد، قبل أن يعود إلى البيت في وقت لاحق من ذلك اليوم.
ولا تزال صورته وهو يجوب شوارع غزة حاضرة في ذاكرتي. كان يبتسم للناس بودّ، ويلوح للحشود، ويحيّي من حوله بتواضع لا تخطئه العين. وكلما اقتربت منه عدسة الكاميرا، وجدتني أمعن النظر في ملامحه. كان في وجهه هدوء وطمأنينة لم يفارقا ذاكرتي منذ ذلك اليوم، ودفءٌ بلغنا رغم كل المسافات التي كانت تفصل بيننا.

وحين رأيناه يحيّي الناس ثم يقف لإلقاء كلمته، غلبتنا الدموع أنا وأمي. لم نبكِ حزنًا، بل امتنانًا وارتياحًا، ومن ذلك الشعور الغامر الذي يصعب وصفه حين أدركنا أن سموه اجتاز كل تلك الحواجز السياسية والجغرافية ليصل إلينا ويقول لنا، بحضوره قبل كلماته، إن غزة لم تُنسَ. بعد سنوات من الحصار والعزلة، شعرنا أخيرًا أن هناك من يرانا.
وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، عاد أخي إلى البيت يحمل علمًا قطريًا صغيرًا. ما إن رأيته حتى سارعت إلى أخذه منه، ورحت ألوّح به في أرجاء البيت فرحًا، قبل أن أضعه إلى جانب العلم الفلسطيني في غرفة جلوسنا. وبقيا معًا هناك لسنوات، يذكّراننا بصمت بذلك اليوم الاستثنائي، حتى اختفيا معًا تحت ركام بيت عائلتنا خلال حرب الإبادة على غزة.
لم يمكث سموه في غزة سوى يوم واحد، لكن الحكاية التي بدأت بزيارته يومها لم تنتهِ برحيله. فما زلت، إلى اليوم، أعيش فصولها.
حين امتدّ أثر رؤية سموه إليّ
وفي الأشهر التي تلت، وجدتني أفكر في قطر أكثر من أي وقت مضى. كنت أستمع إلى النشيد الوطني القطري على حاسوب أمي مرارًا، حتى ضحك أخي الأكبر ذات يوم وقال:”عرفنا خلاص إنك بتحب قطر.” وكان محقًا. لم أكن قادرًا يومها على تفسير ذلك الشعور، لكن شيئًا من تلك الزيارة كان قد استقرّ في وجداني، وأخذ يكبر معي بصمت.
في غزة، لم تكن قطر بالنسبة إليّ مجرد بلد آخر على الخريطة. كنت أرى حضورها في أحياء أُعيد بناؤها بعد الحرب، وفي طرق ومدارس ومشاريع أعادت إلى الناس شيئًا من الأمل. وكبرت وأنا أسمع الناس يدعون لقطر ولسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله. ولم أفهم إلا بعد سنوات سرّ ذلك الحب والامتنان.
بعد تخرّجي من الجامعة، أرسل لي أخي الأكبر رابطًا لمنحة دراسية في جامعة حمد بن خليفة. كنت أتصوّر حتى ذلك الحين أنني سأعود إلى الولايات المتحدة لدراسة الماجستير، بعدما أمضيت فيها عامًا ضمن برنامج للتبادل الدراسي والثقافي. لكن أخي شجّعني على التفكير في هذه الفرصة، وأمّي، بطريقتها الهادئة، أصرّت أن أتقدّم لها.
كانت تذكّرني بأن في قطر الكثير مما يشبهنا: لغتنا وثقافتنا وقيمنا. والأهم من ذلك، أنها كانت على يقين بأنني سأجد فيها مكانًا أنتمي إليه.
وكلما تعرّفت أكثر إلى جامعة حمد بن خليفة، شدّني برنامج الماجستير في الآداب في العلوم الإنسانية والمجتمعات الرقمية، بطرحه المبتكر الذي لم أجد له مثيلًا في المنطقة. لكن شيئًا آخر كان يشغلني أيضًا: بعد سنوات من ذلك الصباح الذي شاهدت فيه سموه يجوب شوارع غزة، كنت على وشك أن أتقدّم إلى جامعة تحمل اسم سموه بكل فخر.

بعد سنوات من استثمار سموه في التعليم، امتد أثر تلك الرؤية حتى بلغ شابًا فلسطينيًا في غزة.
ما زلت أذكر لحظة وصول رسالة القبول. قرأتها مرارًا قبل أن أذهب إلى أمي لأزفّ لها الخبر. تعانقنا وبكينا فرحًا، ثم نظرت إليّ من بين دموعها وقالت بابتسامة: “لطالما آمنت بك.”
وفي ذلك اليوم، احتفلت بي على طريقتها، وخبزت لي كعكتي المفضلة بالتفاح والقرفة.
لم تكن مغادرة غزة يومًا أمرًا يسيرًا. وبسبب الحصار، وصلت إلى قطر بعد نحو ثلاثة أسابيع من بدء الفصل الدراسي. لكن ما إن وطئت قدماي المدينة التعليمية حتى تلاشت مشقة الطريق كلها.
وحين فتحت باب غرفتي للمرة الأولى، وقفت أتأمل المكان من حولي في ذهول. كنت قد عشت تجربة السكن الطلابي خلال عام التبادل في الولايات المتحدة، لذلك ظننت أنني أعرف ما ينتظرني. لكنني كنت مخطئًا. حتى التفاصيل الصغيرة فاجأتني، بدءًا من وجود مطبخ خاص بي، وصولًا إلى غسالة الصحون. لم يكن مجرد مكان للإقامة، بل مساحة توفّر للطلاب كل ما يحتاجونه للعيش براحة، والتركيز على دراستهم، والاستفادة من تجربتهم الجامعية على أكمل وجه.
في ذلك المساء، وبعد جولة طويلة بين أرجاء المدينة التعليمية، رفعت رأسي نحو السماء وهمست: “الحمد لله.” حمدت الله على وصولي سالمًا، وعلى ذلك الشعور الجديد الذي غمرني وأنا أرى، للمرة الأولى، أفقًا يمتد أمامي إلى ما وراء الحدود التي عرفتها طوال حياتي.
وحين اتصلت بأمي في تلك الليلة، لم أتوقف عن إخبارها بكل ما رأيته. استمعت إليّ بهدوء، وبينما كنت أتحدث، ابتسمت وأنا أدرك أنها كانت محقّة منذ البداية.
وحين أنظر إلى تلك اللحظة اليوم، أعرف أننا لم نكن نحتفل بقبولي في الجامعة فحسب. كنا نحتفل بمستقبل لم يكن أيٌّ منا قادرًا بعد على تخيّله.
لم تعد قطر بالنسبة إليّ مجرد بلد جئت إليه للدراسة. أصبحت وطني الثاني.

حين أدركت أين بدأت الحكاية
مرّت سنوات من دون أن أتوقف لحظة لأتأمل ما مضى، أو أتساءل كيف قادتني كل تلك المحطات إلى حيث أنا اليوم.
تخرّجت من جامعة حمد بن خليفة، وبدأت مسيرتي المهنية، ثم عدت بعد سنوات إلى مؤسسة قطر، هذه المرة ككاتب محتوى في واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا. رأيت في كل منها آنذاك مرحلة مستقلة من حياتي، ولم يخطر لي أن أتساءل عمّا يجمع بينها.
لكن رحيل سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، جعلني أعود إلى كل ذلك بعين مختلفة.
وفي أحد الصباحات، بينما كنت أسير في أروقة الواحة، راودني سؤال بسيط:
كيف وصلت إلى هنا؟
لم يكن الجواب قرارًا واحدًا اتخذته، ولا منحة دراسية حصلت عليها، ولا حتى سنوات من العمل والاجتهاد. كان عليّ أن أعود بذاكرتي إلى زمن أبعد. فقبل أن أعرف قطر بسنوات، وقبل أن أتخيّل أنني سأعيش وأعمل فيها يومًا، بدأت الحكاية في غزة، يوم زارها سموه.
عندها أدركت أن رؤية سموه لم تكن يومًا محصورة في إعادة بناء البيوت والمستشفيات والطرق والمدن. كان يؤمن بالتعليم والبحث والابتكار، وقبل كل ذلك، بالإنسان. ومن هذا الإيمان وُلدت فرص عبرت السنوات والمسافات، وغيّرت حياة أجيال من الناس.
وبعد كل ذلك، لم تعد تلك الرؤية شيئًا أرى أثره من بعيد. كنت قد أصبحت أنا أيضًا جزءًا من إرثها.

واليوم، حين أسير في المدينة التعليمية أو في أرجاء مؤسسة قطر، أرى من حولي أثر تلك الرؤية في الجامعات ومراكز البحوث والشركات الناشئة، وفي كل مساحة تحتضن العلم والابتكار.
وأحيانًا أتوقف وأبتسم حين أفكر أن صلتي بهذا الإرث بدأت قبل سنوات بعيدة، وأنا لا أزال في غزة.
ولعل ما لم أتوقعه يومًا هو أن تصبح غزة وقطر أقرب في داخلي مما توحي به المسافة بينهما.

في غزة، كنت أشعر دائمًا بقرب قطر مني. واليوم، وأنا في قطر، ترافقني غزة أينما ذهبت.
صار لكل منهما مكانه في وجداني، حتى بات من الصعب أن أروي حكايتي مع إحداهما من دون أن تحضر الأخرى.
وحين أنظر اليوم إلى كل ما مضى، أرى أن أعظم ما تركه سموه لم يكن ما بناه فحسب، بل الفرص التي أتاحها لأجيال من الناس، والآفاق التي فتحها أمامهم. وأنا واحدٌ منهم.
حين لم يبقَ للامتنان سوى الكلمات
حين وصلني خبر رحيل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لم أستوعبه في البداية. ظل الخبر أكبر من أن أصدّقه، ولم أشعر بحقيقته كاملة إلا حين شاهدت مراسم الجنازة.
وحين رأيت حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى يحمل نعش والده إلى جانب إخوته، عندها فقط شعرت بوقع رحيله. لا تزال نظرة سموه في ذلك اليوم عالقة في ذاكرتي؛ حزن عميق تعجز الكلمات عن وصفه، وثبات يحمل في طياته ثقل وداع يصعب تصوّره. وبينما كنت أتابع تلك المشاهد، انكسر شيء في داخلي، وانهمرت دموعي من دون أن أشعر.
لم يسبق لي أن حزنت على رحيل قائد بهذه الطريقة. ولم أفهم في البداية لماذا مسّني رحيله إلى هذا الحد.
ومع توالي صور الجنازة أمامي، راحت الذكريات تتداعى إلى ذهني واحدة تلو الأخرى. رأيت سموه من جديد في شوارع غزة، وتذكرت أمي وهي تجلس إلى جواري، ودموعنا في ذلك اليوم، والعلم القطري الصغير الذي بقي في غرفة جلوسنا لسنوات، والمنحة التي قادتني في نهاية المطاف إلى قطر.
وعادت بي الذاكرة أيضًا إلى صباح باكر في غزة، قبل الحرب بأسابيع قليلة، حين خرجت للسباحة مع أخي وبعض الأصدقاء. ومن وسط البحر، رفعت نظري نحو الساحل، فرأيت مبنى اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة مطلًا على شارع الرشيد، الطريق الساحلي الذي أعادت قطر إعماره ويمتد على طول القطاع. أتذكر أنني نظرت إليه يومها وشعرت، مرة أخرى، أن قطر لم تكن بعيدة عنا.

وفي الأيام التالية، كانت صورة سموه تطالعني في أنحاء الدوحة، وإلى جانبها الآية الكريمة: “إنا لله وإنا إليه راجعون”. وكلما مررت بإحداها، توقفت للحظات. عندها بدأت أفهم أنني لم أكن أتابع حزن وطن على رحيل قائده فحسب؛ كنت، بطريقتي الخاصة، أودّع إنسانًا ترك إرثه أثرًا عميقًا في حياتي.
رحل سموه عن عالمنا، لكن إرثه ما زال حيًا، يتجدد أثره كل يوم. أراه في الجامعات التي تفتح أبواب المستقبل أمام أجيال جديدة، وفي الباحثين الذين يوسّعون آفاق المعرفة، وفي رواد الأعمال الذين يحوّلون أفكارهم إلى واقع.

من الإرث ما تخلّده الصروح، ومنه ما يبقى حيًا في الناس. وفي إرث سموه اجتمع الاثنان.
وكم تمنيت لو أنني التقيت سموه، ولو لمرة واحدة. حين غادرت غزة في أواخر مارس 2024، لم يكن معي سوى القليل من الأشياء التي تخصني. ومن بينها مجموعة صغيرة من الأصداف التي كنت قد جمعتها من شاطئ غزة، وما زلت أحتفظ بها حتى اليوم.
وأفكر أحيانًا أنني، لو حظيت بلقائه، لأهديته تلك الأصداف. قد لا يرى فيها شخص آخر أكثر من أصداف عادية، أما بالنسبة إليّ، فهي تحمل شيئًا من الوطن؛ من البحر الذي كبرت على شاطئه، ومن غزة التي لم ينساها سموه، ولم يتوقف يومًا عن مدّ يد العون لإعمارها. وأظن أنه كان سيدرك تمامًا ما تعنيه لي.
لم أكتب هذه الكلمات لأنني أعمل في مؤسسة قطر، بل لأن هذه الحكاية ظلت تسكنني لأعوام. وبعد كل هذا الوقت، وجدت في الكتابة أصدق تعبير عن امتناني لسموه. وربما كانت هذه الكلمات أقرب ما يمكنني تقديمه الآن.
حين زار سموه غزة عام 2012، لم أرَ في ذلك اليوم سوى لحظة ستبقى خالدة في ذاكرة الوطن. لم أكن أعلم أنني، بعد كل هذه السنوات، سأعود إليها لأجد فيها بداية حكايتي أنا أيضًا.